عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
277
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
إلى اللّه تعالى ، وهذه المخالفة هي التي أشار إليها عليه الصلاة والسلام بالجهاد الأكبر في قوله : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » فلهذا جعلنا الشهادة بالسيف شهادة صغرى ، والشهادة بالمحبة شهادة كبرى . وأما الصديقية فإنها عبارة عن حقيقة مقام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، وهذه المعرفة لها ثلاث حضرات : الحضرة الأولى : حضرة علم اليقين . والحضرة الثانية : حضرة عين اليقين . والحضرة الثالثة : حضرة حق اليقين ، فعلامة الصديق في تجاوز هذه الحضرات أن يصير غيب الوجود مشهودا له ، فيرى بنور اليقين ما غاب عن بصر المخلوقات من أسرار الحق تعالى ، فيطلع حينئذ إلى حقيقته ، فيشهد فناءه تحت سلطان أنوار الجمال ، فيكتسب بهذا الفناء بقاء إليها ؛ والمراد بقولي يكتسب هو أن يظهر له البقاء الإلهي كما لم يزل منذ كان الوجود ، لا أنه مستفاد في تلك الحضرة ، فإذ بقي ببقاء اللّه تعالى تجلت عليه الأسماء اسما فاسما ، فعرف الذات حينئذ من حيث الأسماء ، وهذا حدّ بلوغ علم اليقين ، ومن هذا لا يكون إلا عينا ، ثم يرتقي من ذلك إلى تجليات الصفات فيشهدها صفة بعد أخرى ، فيكون مع الذات بما لها من الصفات ، ثم يرتقي من ذلك إلى أن لا يحتاج إلى الأسماء والصفات في كينونته مع الذات ، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يعرف موقع الأسماء والصفات من الذات ، فيعرف الذات بالذات ، فتنصب بين يديه حضرة الأسماء ، والصفات ، فيشاهد حقائقها ويدرك إجمالها في التفصيل ، وتفصيلها في الإجمال ، فلا يزال يتقلب في خلع الربوبية إلى أن تنقله يد العناية إلى الاتصاف بالأسماء والصفات ، فإذا بلغ الأجل المحتوم وتناول كأس الرحيق المختوم كان صاحب حق اليقين ، فإذا فضّ الختام وانصبغ الكأس بلوم المدام فهو صاحب حق اليقين ، وهذا أوّل مقامات المقرّبين . وأول القربة فهي عبارة عن تمكن الوليّ قريبا من تمكن الحق في صفاته وهذا مشاع ، كما يقال : قارب فلان العالم فلانا ، يعني في العلم والمعرفة ، وقارب مسلم التاجر قارون موسى ، يعني في المالية ، فالقربة هي ظهور العبد في تنوّعات الأسماء
--> ( 1 ) كشف الخفاء 1 / 511 ، وقال : قال ابن حجر في « تسديد القوس » : هو مشهور على الألسنة ، وهو من كلام إبراهيم بن علية . وأقول : الحديث في « الإحياء » قال العراقي : رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر ، والخطيب في « تاريخه » عنه بلفظ « قدمتم من الجهاد . . . » . وانظر « إتحاف السادة المتقين » 6 / 379 و 7 / 218 ، وتذكرة الموضوعات ( 191 ) ، والأسرار المرفوعة ( 206 ) .